سيد قطب
2070
في ظلال القرآن
وكثير من هذه التصورات كان يخالج الوثنية العربية . . من أجل هذا كان بعضهم يطلب من الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن ينبئهم بالغيب ! وبعضهم كان يقترح أن يصنع لهم خوارق مادية معينة ! كما أنهم كانوا يرمونه - صلى اللّه عليه وسلم - بأنه ساحر ، وبأنه « مجنون » - أي على صلة بالجن ! - وبعضهم كان يطلب أن يكون معه ملك . . . إلى آخر هذه المقترحات والتحديات والاتهامات التي كانت متلبسة بالتصورات الوثنية عن طبيعة النبي وطبيعة النبوة ! ولقد جاء هذا القرآن ليجلي الحقيقة كاملة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبي ؛ وعن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول ؛ وعن حقيقة الألوهية المتمثلة في اللّه وحده - سبحانه - وحقيقة العبودية التي تشمل كل ما خلق اللّه وكل من خلق ؛ ومنهم أنبياء اللّه ورسله ؛ فهم عباد صالحون ؛ وليسوا خلقا آخر غير البشر ؛ وليس لهم من خصائص الألوهية شيء ؛ وليسوا على اتصال بعوالم الجن والخفاء المسحور ؛ إنما هو الوحي من اللّه - سبحانه - وليس لهم وراءه شيء من القدرة على الخوارق - إلا بإذن اللّه حين يشاء - فهم بشر من البشر ، وقع عليهم الاختيار ، وبقيت لهم بشريتهم وعبوديتهم للّه - سبحانه - كبقية خلق اللّه . وفي هذه السورة نماذج من تجلية طبيعة النبوة والرسالة ؛ وحدود النبي والرسول ؛ وتخليص العقول والأفكار من رواسب الوثنيات كلها ؛ وتحريرها من تلك الأساطير التي أفسدت عقائد أهل الكتاب من قبل ؛ وردتها إلى الوثنية بأوهامها وأساطيرها ! وقد كانت تلك التجلية تواجه تحديات المشركين الواقعية ؛ ولم تكن جدلا ذهنيا ، ولا بحثا فلسفيا « ميتافيزيقيا » . . . كانت « حركة » تواجه « الواقع » وتجاهده مجاهدة واقعية : * « وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ! إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ » . . * « وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ! قُلْ : إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ » . . * « كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ ، قُلْ : هُوَ رَبِّي ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْهِ مَتابِ » . . * « وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ ، وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ، وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ » . . * « وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ » . . وهكذا تتجلى طبيعة الرسالة وحدود الرسول . . إنما هو منذر ، ليس عليه إلا البلاغ وليس له إلا أن يتلو ما أوحي إليه ، وما كان له أن يأتي بخارقة إلا بإذن للّه . ثم هو عبد للّه ، اللّه ربه ، وإليه متابه ومآبه ؛ وهو بشر من البشر يتزوج وينسل ؛ ويزاول بشريته كاملة بكل مقتضيات البشرية ؛ كما يزاول عبوديته للّه كاملة بكل مقتضيات العبودية . . وبهذه النصاعة الكاملة في العقيدة الإسلامية تنتهي تلك الأوهام والأساطير المهوّمة في الفضاء والظلام ، حول طبيعة النبوة وطبيعة النبي ، وتخلص العقيدة من تلك التصورات المحيرة التي حفلت بها العقائد الكنسية كما حفلت بها شتى العقائد الوثنية ؛ والتي قضت على « المسيحية » منذ القرن الأول لها أن تكون إحدى العقائد الوثنية في طبيعتها وحقيقتها ، بعد ما كانت عقيدة سماوية على يد المسيح عليه السلام ؛ تجعل المسيح عبد اللّه ؛ لا يأتي بآية إلا بإذن اللّه .